اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا .

07:37 صباحًا , الثلاثاء 2 ذو القعدة 1438 / 25 يوليو 2017


هل يكتمل الحلم.. أم يموت كما مات منتظروه

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
عامر بن عبدالله بن عامر
بقلم : عامر بن عبدالله بن عامر

لا زالت تلك الفرحة العارمة التي اجتاحت المجتمع في كل المناطق الجنوبية عند إعلان سمو أمير منطقة عسير الأمير فيصل بن خالد بن عبد العزيز ـ حفظه الله ـ عند بدء العمل بـ"المشروع الحلم" المتمثل في "هدية خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز" رحمه الله إلى أهالي المناطق الجنوبية وهو "مدينة الملك فيصل الطبية" وذلك ما أعلنه سمو أمير عسير في لقاء كبير جمع المشائخ والأعيان وجمع كبير من الأهالي، إلى جانب أصحاب المعالي والسعادة مديري الإدارات الحكومية وأعضاء مجلس المنطقة والمجلس البلدي.

تلك الفرحة لم تأتِ من فراغ، ففرح وتفاؤل المواطنين كان منطقياً جداً، ولو أتيحت الفرصة للآلاف من أهالي المناطق الجنوبية الأربع لأحيوا الليالي وأقاموا الاحتفالات ابتهاجاً بهذا المشروع "الحلم" الذي انتظروه منذ ثلاثين عاماً وأكثر، ومما زاد فرحهم وابتهاجهم عند إعلان بدء العمل بالمشروع ما عاشوه خلال أثني عشر عاماً سبقت إعلان انطلاق هذا المشروع حينما تخاذل مسئولو الشئون الصحية بعسير آنذاك، وصاحبه عدم اهتمام وحرص وزارة الصحة وعدم التفاتها لما تستحقه منطقة عسير وباقي المناطق الجنوبية في سنوات الطّفرة من خدمات صحية.

للصحة في منطقة عسير بالذات قصة مختلفة، فأهالي المنطقة أصبحوا يؤمنون إيماناً قاطعاً بالمثل المصري القائل "يافرحه ماتمّت"، وذلك أن أول فرحة انتظروها لمشروع صحيٍّ ضخمٍ كانت عندما وضع خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز رحمة الله حجر الأساس لمدينة طبية تحويلية تتبع الشئون الصحية بعسير عام 1419هـ حين زيارته للمنطقة عندما كان ولياً للعهد، إلا أن "الفرحه ماتمّت" والحجر تفتت ودمرته عوامل التعرية قبل أن تستكمل وزارة الصحة بنائه، ثم تم وضع حجر الأساس لنفس المشروع في عام 1427هـ عند زيارة الملك عبدالله بن عبدالعزيز رحمه الله للمنطقة وبها عاد الأمل لسكان المنطقة من جديد، إلا إن "الفرحه ماتمّت" للمرة الثانية، بعد أن أصبح المشروع سراباً ثم اختفى عن الوجود نهائياً، كما اختفت الأرض الشاسعة التي كانت قد خصصت له شمال شرق مدينة أبها.

وفي عام 1432هـ صدرت موافقة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز رحمه الله بإنشاء مدينة الملك فيصل الطبية لخدمة مناطق المملكة الجنوبية، وقد "تمت الفرحة" هذه المرة والحمد لله، حيث تمت الترسية وبدأ التنفيذ، والآن وقد شارفت المرحلة الأولى من المشروع على الانتهاء من الهياكل الخرسانية لمبنى المستشفى التخصصي بسعة خمسمائة سرير، فيما تشتمل المرحلة الثانية على تشطيب وتجهيز المرحلة الأولى، والبدء في بناء المراكز الطبية التخصصية "الأورام والقلب والعيون والأمراض العصبية والتأهيل" وجميعها بسعة 850 سريراً إضافة للمستشفى التخصصي 500 سرير، والتي كان من المفترض أن تطرح المرحلة الثانية للترسية منذ أكثر من عام.

واليوم.. فإن أكثر من 5,6 مليون نسمة من سكان المناطق الجنوبية الأربع "عسير، جازان، نجران، الباحة" ينتظرون الانتهاء من المشروع وافتتاحه، ولكن تعثر الإنجاز والبطء في التنفيذ قد أحبط تلك الآمال، وأرّق المستفيدون منه، خوفاً من أن يتفتت جزء من هذا المشروع كما تفتتت المدن التي سبقته وهي لا زالت حجراً لم تُبنى.



مصيبتنا في المدن الطرفية أن المسئول في الرياض سواء في وزارة الصحة أو وزارة المالية يتوقع أن تلك المناطق النائية في أقصى الجنوب تتمتع بمثل ما تتمتع به العاصمة الرياض من وجود البدائل من مستشفيات تخصصية، إلى جانب خمس مدن طبية تتبع لأكثر من قطاع في الرياض لوحدها، لا يقابلها في أربع مناطق جنوبية أي مركز أو مستشفى متخصص، هذا بخلاف الزحام الشديد والكبير على المستشفيات المرجعية.


هؤلاء المسئولين لا يعلمون أن المريض في عسير وجازان والباحة ونجران ينتظر الموعد لدى طبيبه ثمانية أشهر، وهي كفيلة بأن يأتيه أجله ويصبح تراباً قبل أن يأتي موعد الطبيب.

هؤلاء المسئولين لا يعلمون أن أكبر نسبة للمرضى المحولين للمستشفيات التخصصية بالرياض وجدة هم من المناطق الجنوبية، وأن 95% من هؤلاء المحولين يعانون أمراض السرطان والقلب، في حين لا يوجد في المناطق الجنوبية بأكملها أي مركز للأمراض السرطانية.

هؤلاء المسئولين لا يريدون أن يعلمون بأن المحولين من المناطق الجنوبية إلى الرياض وجدة تجاوز عددهم 46 ألف مريض في العام.

هؤلاء المسئولين لا يعلمون أن من لم يقم بحجز مقعده على رحلة الطيران من إحدى المناطق الجنوبية قبل شهر من موعده فإنه لن يحضره بسبب عدم وجود سعة مقعديه على خطوط الطيران التي فاقمت الجرح وزادته سوءاً.

هؤلاء المسئولين لا يعلمون أن ما يمكن توفيره من أسعار تذاكر المرضى المحولين ومرافقيهم ومبلغ التعويض الذي يصرف للمريض على كل موعد كفيلة بسد أي عجز قد يطرأ على هذا المشروع إذا توفرت المراكز الطبية المتخصصة في المنطقة!!!.

ما أود أن أختم به: إن هذا "المشروع الحلم" الذي يمثل "هدية" خادم الحرمين الشريفين لأهالي المناطق الجنوبية، والذي ينتظره أكثر من خمسة ملايين "سعودي وسعودية" على أحر من "الألم" الذي يعانونه كل يوم، هو الأمل بعد الله في توفير بيئة صحية لهم.. وإن هؤلاء الخمسة ملايين نسمه لن يتنازلون عن "طوبة" واحدة من هذا المشروع، ويطالبون أن يبقى كما أمر به الملك عبدالله رحمه الله، بأبراجه التخصصية وخدماته الكاملة، وبـ1350سريراً.

وإن كانت وزارتي الصحة والمالية عاجزتين عن توفير قيمة استكمال هذا المشروع والدفع به نحو النجاح كما شاءت قيادتنا الرشيدة أن يكون، وكما أُعلن عند طرحه وترسيته.. فعليهم أن يرفعوا الأمر لسيدي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز ـ حفظه الله ـ لأخذ الاعتمادات اللازمة لاستكماله ودفعه نحو الإنجاز من التعثر أو التناقص الذي يهدده، وأجزم بأنه حفظه الله لن يرض أن يكون مبلغاً بسيطاً وزهيداً لن تعجز عنه يد العطاء في هذا البلد الكريم ليحقق آمال الملايين وتصل هدية ملك الخير إلى محبيه في المناطق الجنوبية كما أراد رحمه الله تعالى.

إن أهالي المناطق الجنوبية لم يطالبوا بمشروع ترفيهي، أو خدمة تكميلية، أو سياحية.. بل يطالبون بمنحهم حقهم من الرعاية الصحية التي كفلها لهم دستور هذه البلاد في المادة السابعة والعشرون منه.



فاصلة: لا يستطيع أصحاب القرار تناسي ما تعانيه ثلاث مناطق جنوبية حدودية منذ عام مضى وجنودنا البواسل ينتشرون على حدودها لحماية هذا الوطن الغالي، والحاجة الماسة لمثل هذا المشروع أصبحت أكبر مما كان، والمبررات له أكبر من أي عذرٍ قد يلجاُ له مسئول، وعزائي لأسر الشهداء الذين يصاب أحد أبنائهم ثم ينتقل بالإخلاء الطبي مباشرة إلى الرياض لعدم وجود مستشفى متخصص بكل المناطق الجنوبية, ثم لا يعود لأسرته وأبنائه إلا جثة هامدة، وعزائي للفقراء ومحدودي الدخل ومن لا تسعفهم ظروفهم وأحوالهم على السفر للعلاج فيموتون وهم يعالجون السرطان بحبات "البنادول" وجلطات القلب بـ"زيت السمسم".
عامر بن عبدالله بن عامر

 0  0  1.2K

التعليقات ( 0 )

قناتنا على اليوتيوب