اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا .

08:23 صباحًا , الأربعاء 4 شوال 1438 / 28 يونيو 2017


هل وقعنا في الأسر العنكبوتي؟

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
فهد الأحمري
استيقظت من النوم، مددت يدي أتحسس هاتفي الجوال، أتفحصه بكل شوق لغيابه عني طيلة فترة النوم! قرأت الرسائل النصية الواردة وعددها 27 رسالة ما بين أخبار عاجلة وآجلة ومتابعات محلية ورسائل دعائية ودعوية وغيرها. تناولت إفطاري وأثناء ذلك فتحت الواتس أب لأشاهد 43 رسالة متدفقة من وجهات مختلفة. فتحت جهازي المحمول وتفقدت بريدي الإلكتروني المثقل ب113 رسالة بريدية. تابعت حسابي على تويتر وغردت للمتابعين وقرأت تغريدات من أتابعهم وتصفحت قوائم خاصة بالحسابات المهمة لدي.
تفقدت كذلك حسابي على الفيسبوك والإنستقرام وشاركت في بعضها. قلبت جديد اليوتيوب وكذلك موقع الكيك. حان أذان الظهر، وفي طريقي للمسجد استعرضت بعض التطبيقات الجديدة ورسائل للتو وصلت. عدت للبيت وتناولت جهازي المحمول وبدأت أتصفح بعض الصحف الإلكترونية، بعدها كان لدي بحث في مسألة استغرقت مني زهاء الساعتين في المواقع البحثية، ومن أحد التطبيقات وصلني خبر أن مباراة دولية مهمة تقام الآن، تابعتها على الرابط المخصص والمقدم على الشبكة.
بعد ذلك قمت بحجز مقاعد لرحلتي وعائلتي لدبي، وكذلك حجزت غرفة في أحد الفنادق، واستأجرت سيارة من أحد المواقع وكل هذا من خلال الإنترنت.
فتحت ال "جي بي إس" ووضعت إحداثية الفندق ليدلني على الموقع قبل أن أحرك السيارة، ثم اتجهنا للمول وبحكم حجم المول الهائل استعنت بتطبيق خرائطي أيضا على هاتفي المحمول ليوصلنا إلى المتجر المقصود، ولك أن تتخيل مشهدنا ونحن نتتبع إرشادات الجهاز الصغير "كالدراويش" يمنة ويسرة مشيا على الأقدام.
طلبنا من الجهاز العزيز أن يدلنا على المطاعم القريبة منا، وصلت الأطباق المطلوبة ولم نستطع تناول شيئ منها حتى قمنا بتصويرها من زوايا مختلفة لإنزالها علي الإنستقرام، ومن ثم بعثناها للأقارب والأصدقاء على الواتس آب، عدنا للفندق ونحن نسكت طفلتنا كي نسمع وصف ال "جي بي إس" للفندق حتى لا نضيع ونجد أنفسنا في الفجيرة!
قبل النوم تفقدت بعض مواقع التواصل الاجتماعي أيضا، ثم ضبطت المنبه على الهاتف الذكي ووصلته بالشاحن، وبكل عناية وضعته قرب وسادتي، وخلدت للنوم، وفي الصباح التالي .. تكرر السيناريو.
كان هذا المشهد في أحد أيام العطل، ومن الواضح فإن هذا السيناريو اليومي ينطبق -أكثره- على أغلب شعوب الأرض حاليا، لكن ما هو الثمن؟
رغم أن بعضنا قد يدعي أنه ليس بحاجة لهاتفه الذكي بصورة دائمة، لكن الواقع أنه كل ما يفكر فيه بدليل السيناريو اليومي السابق لأغلبنا عدا قضية السفر.
هذه النقلة الهائلة للإنترنت والخدمات المقدمة من خلاله شيء هائل وفي غاية الروعة، بيد أن المبالغة في ذلك يجعلنا أسرى لهذه الأجهزة حيث يتملكنا الكسل والأنانية والتشتت الذهني علاوة عن الانقطاع عن الآخرين وعدم الحاجة لهم.
وأنت تسير في الشارع، يستوقفك أحدهم ويسألك عن مكان أنت تعرفه، أتخيل حينها حماسك وسرورك وأنت تسدي له خدمة الوصف المفصل المجاني. الآن حتى موقع البقالة المجاورة يمكنك استخدام الجهاز الذكي للوصول إليه، علاوة على أقرب محطة بنزين أو مطعم وربما مسجد.
قد لا نستدعي بحوثا علمية واجتماعية لإثبات تأثير التكنولوجيا الحديثة على أوضاعنا الصحية وعلاقاتنا الاجتماعية وتفاعلاتنا مع العالم وكذلك وظائفنا الإدراكية والعصبية، ولك أن تتخيل تأثير ذلك على الأطفال حين يتعرضون لمثل هذا الكم من تأثير الشاشة عليهم بصورة يومية، والمثير للقلق أكثر هو أولئك الأطفال الذين لم يعرفوا العالم إلا فقط من خلال الإنترنت.
ربما قد جرب أحدنا اعتزال الهواتف الذكية والشبكة العنكبوتية، وقد حاولت ذلك مرارا كي أقرأ كتابا، أو أخلو بنفسي سويعات، أو أستمتع بلحظات عائلية بعيدا عن مصادر الإلهاء العنكبوتية. قد أنجح في بعض الأوقات لكن لماذا نسترق أنفسنا سرقة من هذا الأسر حتى ننعم بأوقات قراءة ورقية أو تواصل اجتماعي حقيقي بدلا من تواصل عنكبوتي مزيف بطريقة نسخ ولصق.
أصبحنا نفقد طعم التمتع بالرحلات والسفريات بسبب مبالغتنا في تصوير كل شيء، بتنا نتلذذ بتحميل صورة وجبة غذائية على الإنستقرام أكثر من تلذذنا بتناول الوجبة ذاتها.
والنصيحة المسداة هنا -بالتأكيد- ليست بالتخلي عن الإنترنت لكن بتقليص الوقت قدر المستطاع، غير أنه في عالم أضحى الارتباط بشبكة الإنترنت متاحا في كل مكان، يبدو ذلك أشبه بقولنا لطفل صغير وضعت الحلوى أمامه "لا تأكل من هذه الحلوى ".
فهد الأحمري

 0  0  422

التعليقات ( 0 )

قناتنا على اليوتيوب