اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا .

09:02 مساءً , الجمعة 26 ذو القعدة 1438 / 18 أغسطس 2017


ملاحقة السفهاء

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
د.عبدالله سافر الغامدي
بقلم : د.عبدالله سافر الغامدي
[/color]
تحولت مواقع التواصل الاجتماعي على شبكة الأنترنت إلى نوافذ فسيحة، ومنافذ وسيعة، احتوت على مئات القنوات الخاصة، والمواقع الشخصية، التي يعرض فيها أصحابها موادهم الإعلامية المتنوعة ، ورسائلهم المرئية المختلفة، والتي فيها ما هو صالح وطالح، وحسن وسيء.
وهي قنوات كثيرة تتميز بقلة التكلفة الإنتاجية ، وعدم الحاجة إلى تصاريح رسمية، أو الالتزام بضوابط معينة ، كما إنها لا تخضع لرقيب، وليس عليها حسيب ، فالفضاء مفتوح، والمصدر مجهول، والمكان غير معلوم .
وبالرغم من احتواء بعضها على طرح مفيد ، وفكر جديد، وإخراج ملفت، إلا أن بينها متصفحات سيئة، حيث تقدم لزوارها مشاهد متهتكة، وشوائب مؤذية، ومضامين مَعيبة، إذ ليس لها أهدافاً سوى الضحك والتسلية، والتهكم والسخرية ، والتشويش والتشويه ، وكذلك نشدان الظهور، والظفر بنيل الشهرة والذيوع، حتى إن عدد المتابعين لبعضها تجاوز المليون مشاركاً.
ولعل من الشواهد الحديثة على حماقة المتابعين وسذاجتهم؛ ما وقع مع فتاة مشهورة ـ من مشاهير موقعي (انستغرام) و(سناب شات) ـ في شهر مضان المبارك ، والتي تجمهر حولها عدد كبير من الفتيات ـ في سوق معروف بمحافظة جدة ـ ، وفيه أحدثن صخباً وصياحاً، وتعدياً وازدحاماً، فمزقنا بذلك جلباب الحياء، وخلعنا عن أنفسهن ستر العفاف، وهيئة الوقار، وقع هذا المنكر العظيم في الشهر الفضيل ، الذي يزداد فيه الخلق تقرباً من خالقنا سبحانه وتعالى.
لقد وظفت التقنية لدينا عكس ما جاءت من أجله، ليقع من بناتنا ذلك السلوك الساذج، والفعل السامج؛ الذي ليس في منهجنا، ولا من نسيج مجتمعنا المحافظ، إذ ما جدوى السنابات التي نشرتها تلك الفتاة عن غرفتها، أو سفرتها، أو مشترياتها؟! هل فيها قيمة روحية، أو فائدة عقلية، أو رفعة شخصية؟!
ولكن! ماهو السبب الذي يجعل البنات المحتشمات المتعلمات يتابعنها ويتابعن غيرها من أصحاب الحسابات المهترئة، والمشاركات المبتذلة ؟!، هل السبب هو التقليد، وصديقات السوء، وضعف الرقابة من الأسرة، أم هو الخواء الروحي، والفراغ العاطفي، والانحدار العقلي ؟!
إن هذه الواقعة السلبية تكشف لنا أحوال أبنائنا الخطيرة، وتجاوزاتهم غير الأخلاقية، والذين يعيشون مع عالم الأجهزة الافتراضي أكثر من العالم الواقعي ، فالأجهزة الذكية جعلتهم يتأثرون بالغريب والمجهول، ويركضون وراء فراغ وسراب، وخلف فوضى وأوهام.
ذلك أن السخافة والسطحية سببها البلادة والبلاهة ، والوقت الخاوي، والفراغ الخالي ، الذي يجعل الفرد ينقاد ويتأثر بكل سهولة، بينما الأسرة والمدرسة ليس لهما أي دور ملموس مع هذا الكون المفتوح، والذي يختلط فيه الغث مع السمين، والنافع مع الضار.
صحيح أن للأجهزة التقنية، وفي مواقع الأنترنت نفع عظيم، وخير كثير ، لكنها كذلك خطر جسيم اقتحم بيوتنا، وداهم نفوسنا، وتسلل إلى عقولنا ، واستحوذ على سلوكنا في عمق شديد ، وبشكل سريع ، إذ هي أدوات لا يمكن لأحد أن يقف في وجهها، فالفضاء منافذه مفتوحة، ومجالاته واسعة، وشياطينه قائمة.
لهذا كان الواجب علينا أمام هذا الطوفان الجارف من التطبيقات الحديثة ، ومواقع التواصل الاجتماعي المتنامية؛ أن نسير معها بخطى قوية ومتسارعة ، نحرص فيها على دعم الأسرة؛ وتعزيز دورها الأكبر في البناء والتعمير، والرعاية والتنوير، وهي المسؤولة والمستفيدة في المقام الأول والأخير.
كذلك نحن بحاجة إلى تطوير المحاضن التربوية، وتحسين برامجها ، والرقي بمشاريعها ، والتي أهملت مسألة مهمة وضرورية وهي: غرس الرقابة الذاتية ، وزرع المسؤولية الكاملة في نفوس الناشئة ، وتطبيق وتقويم المهارات السلوكية اللازمة، وهذا مطلب ينبغي أن يكون له مسارات بارزة، وسياسات قائمة.
كما ينبغي على الجهات المختصة أن تعمل على احتواء أصحاب القنوات الرديئة، والمواقع الوضيعة ، وذلك بتشكيل الوعي الديني والمعرفي لديهم، وتوظيف قدراتهم نحو بناء النفوس، والنهوض بالعقول .
ونتمنى منها كذلك المراقبة الجيدة والدقيقة لدهاليز الأنترنت الخفية والمتشعبة ، وأن يضاف في نظام مكافحة جرائم المعلوماتية ملاحقة من يوظف التطبيقات الحديثة باللقطات السيئة، والمشاركات المسيئة، فإن في الضوابط الرسمية صيانة للأمة من منابع الضرر والشر ، وأبواق الفساد والضياع.
د.عبدالله سافر الغامدي

 0  0  2.3K

التعليقات ( 0 )

قناتنا على اليوتيوب